صورة المرأة المثالية: لماذا تشعر كثير من النساء بالاختناق تحت ضغط المجتمع؟

22
1000052504

مشاركة المقالة

عندما ظهرت صور حفل زفاف الفنانة مي فاروق، لم يكن الجدل الذي أثارته بعض التعليقات متعلقًا فقط بفستان أبيض أو حفل زفاف، بل كشف عن سؤال أعمق حول صورة المرأة المثالية في المجتمع.

فقد رأى البعض أن احتفال امرأة في هذا العمر بزواجها بهذه الطريقة لا يتناسب مع مكانتها كأم وفنانة، وكأن هناك مرحلة معينة في حياة المرأة يجب بعدها أن تختفي مظاهر الفرح والحماس، وأن تصبح أكثر هدوءًا وأقل تعبيرًا عن مشاعرها.

لكن لماذا ترتبط صورة المرأة المثالية أحيانًا بقدرتها على إخفاء مشاعرها أو والوقار أحياناً؟ ولماذا يُنظر إلى المرأة التي تضحك كثيرًا، أو تفرح بعفوية، أو تعبّر عن حماسها، على أنها أقل نضجًا أو أقل احترامًا؟

ربما لا تكمن المشكلة في الفرح نفسه، بل في اعتقاد أو موروث قديم عن صورة المرأة المثالية؛ صورة تطلب منها أن تكون دائمًا متزنة، هادئة، ومسيطرة على كل انفعالاتها، حتى يصبح التعبير الطبيعي عن مشاعرها وكأنه خروج عن القاعدة.

فبينما نتفق جميعًا أن الاحترام والاتزان قيم مهمة، فإن تحويلها إلى مطالبة دائمة بكبت المشاعر قد يجعل المرأة تشعر بأنها مطالبة بإخفاء جزء من إنسانيتها حتى تحصل على قبول الآخرين.

المرأة المثالية في خيال المجتمع: بين الوقار والصمت العاطفي

كل مجتمع لديه فكرة عن صورة المرأة المثالية، وهذه الصورة أو الفكرة لا تتشكل فقط من القوانين أو التعليمات المباشرة، بل تنتقل أيضًا من خلال العائلة، والأمثال الشعبية، والأعمال الفنية. وفي كثير من البيئات، ارتبطت صورة المرأة المحترمة بالهدوء الشديد، وقلة إظهار الانفعال، والقدرة على تحمل الظروف الصعبة دون شكوى.

فقد تعلمت أجيال كثيرة أن “البنت المؤدبة” هي التي لا ترفع صوتها، ولا تُظهر غضبها، ولا تبالغ في الفرح، وأن المرأة الناضجة هي التي تسيطر دائمًا على مشاعرها مهما كانت الظروف. وهنا تظهر إحدى ملامح صورة المرأة المثالية في المجتمع؛ حيث يصبح الهدوء والاحتشام والوقار ليس مجرد صفات جميلة، بل أحيانًا شروطًا للحكم على قيمة المرأة واحترامها.

وتكشف بعض الأمثال الشعبية هذه النظرة الثقافية، مثل المثل الشائع: “هبلة ومسكوها طبلة”، الذي ارتبط تاريخيًا بفكرة السخرية من المرأة التي تظهر حماسًا أو فرحًا بطريقة يعتبرها البعض مبالغًا فيها. كما تعكس بعض الأعمال الدرامية هذه الصورة، مثل فيلم “على جثتي”، من خلال شخصية الرجل الذي يتخيل الزوجة المثالية باعتبارها هادئة ووقورة ومحتشمة طوال الوقت.

لكن هذه الأمثلة لا تعني أن جميع النساء أو جميع أفراد المجتمع يتبنون هذه النظرة، بل تكشف عن نموذج ثقافي كان وما زال حاضرًا في بعض البيئات. فالمشكلة ليست في تقدير الهدوء أو الاحترام، وإنما في اختزال المرأة الصالحة في قدرتها على إخفاء مشاعرها، وكأن الفرح أو الحزن أو الحماس يتعارض مع النضج والاحترام.

الكبت والصورة المرأة المثالية

ليست المشكلة في الوقار… بل في الخلط بين الوقار وكبت المشاعر

الوقار قيمة جميلة عندما يعني الوعي بالنفس، واحترام الآخرين، والقدرة على التصرف بحكمة في المواقف المختلفة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الوقار إلى اعتقاد بأن المرأة المحترمة هي التي لا تُظهر حزنها، ولا تعبر عن فرحتها، ولا تغضب، ولا تكشف عن مشاعرها الحقيقية. وهنا تظهر إحدى صور صورة المرأة المثالية في المجتمع؛ حيث تصبح السيطرة الكاملة على المشاعر شرطًا للحصول على القبول والاحترام.

في علم النفس يوجد فرق مهم بين تنظيم المشاعر وكبت المشاعر. تنظيم المشاعر يعني أن يفهم الإنسان ما يشعر به، ويختار الطريقة المناسبة للتعبير عنه، دون أن يسمح للانفعال بأن يؤذيه أو يؤذي الآخرين. أما كبت المشاعر فيعني محاولة تجاهل المشاعر أو إخفائها باستمرار وكأنها غير موجودة.

تشير الأبحاث في علم النفس إلى أن كبت المشاعر بشكل مزمن قد يرتبط بزيادة الضغوط النفسية وصعوبة التعامل مع الانفعالات، بينما يساعد الوعي بالمشاعر والتعبير الصحي عنها في تحسين التوازن النفسي. وقد ناقشت أبحاث في مجال تنظيم الانفعال مثل أعمال الباحثين مفهوم تنظيم المشاعر وتأثير استراتيجيات التعامل معها على الصحة النفسية.

لذلك، لا تكمن المشكلة في أن تكون المرأة هادئة أو وقورة، بل في أن تشعر بأنها مطالبة دائمًا بإخفاء جزء طبيعي من إنسانيتها حتى تبدو مقبولة اجتماعيًا.

المعايير المستحيلة: عندما تصبح المثالية عبئًا على المرأة

ربما لا تكمن المشكلة في صفة واحدة مثل الوقار أو الاحتشام، بل في تراكم مجموعة كبيرة من التوقعات التي تُرسم حول المرأة المثالية. فمع مرور الوقت، قد تجد المرأة نفسها مطالبة بالوصول إلى صورة يصعب على أي إنسان تحقيقها؛ صورة تجمع بين صفات متناقضة في الوقت نفسه.

فقد يُطلب من المرأة أن تكون جميلة، لكن دون أن تبدو مهتمة بجمالها أكثر من اللازم. وأن تهتم بمظهرها، لكن دون أن تُتهم بالسطحية. وأن تكون ناجحة في عملها، لكن دون أن يشعر أحد بأنها قصّرت في دورها داخل الأسرة. وأن تكون حنونة ومتعاطفة، لكن دون أن تُعتبر ضعيفة. وأن تكون قوية ومستقلة، لكن دون أن تبدو حادة أو صعبة التعامل.

حتى في مشاعرها، قد تواجه المرأة معايير متناقضة؛ فمن المطلوب أن تكون مرحة ومقبلة على الحياة، لكن دون أن يُنظر إليها على أنها خفيفة أو غير ناضجة. ومن المتوقع أن تكون هادئة ووقورة، لكن دون أن تصبح باردة أو بعيدة عاطفيًا.

وهنا تظهر إحدى مشكلات صورة المرأة المثالية في المجتمع؛ فبدل أن تكون الصفات الجميلة خيارات تعبّر عن شخصية المرأة، قد تتحول إلى قواعد صارمة تشعرها بأنها تحت الاختبار طوال الوقت.

عندما تتراكم هذه التوقعات، قد تبدأ بعض النساء في مراقبة أنفسهن باستمرار: هل ضحكتي كانت كثيرة؟ هل فرحتي كانت مبالغًا فيها؟ هل أظهرت غضبي بطريقة تجعل الآخرين يحكمون عليّ؟ وهنا يصبح السعي إلى الكمال مصدر ضغط نفسي، لأن المرأة لا تحاول فقط أن تكون أفضل نسخة من نفسها، بل تحاول الوصول إلى صورة مثالية قد لا توجد إلا في خيال المجتمع.

المشكلة ليست في الجمال أو النجاح أو الوقار، فكلها قيم إيجابية، وإنما في تحويلها إلى معايير لا تترك مساحة للمرأة كي تكون إنسانة طبيعية لها مشاعر واحتياجات ونقاط قوة وضعف.

ربما يقود السعي المستمر إلى المثالية إلى الشعور بعدم الكفاية، وهو ما تناولناه في مقال لماذا تشعرين دائمًا أن أداءكِ في العمل أقل من المطلوب

ماذا يحدث نفسيًا عندما تتعلم المرأة أن تخفي مشاعرها؟

عندما تكبر الفتاة وهي تسمع باستمرار أن المرأة المحترمة لا ترفع صوتها، ولا تفرح كثيرًا، ولا تغضب، ولا تُظهر انفعالها، فقد لا تتعلم فقط كيف تنظم مشاعرها، بل قد تتعلم أيضًا أن تشعر بالخجل منها.

مع الوقت، قد تبدأ في مراقبة نفسها قبل كل ضحكة، وكل دمعة، وكل لحظة حماس؛ ليس لأنها لا تريد التعبير، بل لأنها تخشى أن تُفسَّر مشاعرها بطريقة سلبية. قد يصبح السؤال داخلها: “هل تصرفت بطريقة تجعل الآخرين يرونني أقل نضجًا؟ هل فرحتي كانت مبالغًا فيها؟ هل غضبي يجعلني امرأة صعبة؟”وهنا لا تعود المشكلة في المشاعر نفسها، فالمشاعر جزء طبيعي من التجربة الإنسانية، وإنما في الرسالة التي تتلقاها الفتاة عن هذه المشاعر: أن بعض ما تشعر به يجب إخفاؤه حتى تكون مقبولة.

في علم النفس، يرتبط هذا النوع من الخجل من المشاعر بما يسمى وصمة المشاعر؛ أي اعتقاد الشخص بأن بعض مشاعره غير مناسبة أو غير مقبولة، مما قد يدفعه إلى إخفائها بدل فهمها والتعامل معها بطريقة صحية. وتشير أبحاث تنظيم المشاعر إلى أن قبول المشاعر والقدرة على التعامل معها بوعي يرتبطان بقدرة أفضل على التكيف النفسي.

لذلك فإن جزءًا من مشكلة صورة المرأة المثالية في المجتمع لا يتعلق بالصفات الجميلة مثل الاحترام أو الهدوء، بل عندما تصبح هذه الصفات مرتبطة بإنكار الجانب الإنساني للمرأة. فالمرأة لا تفقد وقارها لأنها تفرح أو تحزن أو تعبر عن نفسها، بل تفقد جزءًا من راحتها عندما تشعر أنها يجب أن تخفي مشاعرها دائمًا حتى تستحق القبول.

الوقار قيمة جميلة عندما ينبع من الشخصية، لكنه يفقد معناه عندما يتحول إلى مطالبة دائمة بإخفاء المشاعر. فالمرأة لا تصبح أكثر احترامًا لأنها لا تضحك أو لا تفرح أو لا تغضب، بل لأنها تعرف كيف تعبّر عن مشاعرها بوعي، دون أن تخجل من إنسانيتها.

No comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *