كيف يدفعك عدم ضبط مشاعرك إلى شراء ما لا تحتاجين؟

46
Grok 1786211421481

مشاركة المقالة

 

هناك أشياء كثيرة في بيوتنا لا نعرف لماذا اشتريناها أصلًا.

قطعة ملابس ما زالت ببطاقتها معلقة في الخزانة، جهاز للمطبخ استخدمناه مرة واحدة ثم تركناه في أحد الأدراج، أو منتج للعناية بالبشرة اشتريناه بحماس، ثم ظل مغلقًا حتى انتهت صلاحيته. في لحظة الشراء، كان كل شيء يبدو منطقيًا؛ أعجبنا المنتج، تخيلنا استخدامه، وشعرنا أننا نستحق شيئًا جديدًا.

لكن بعد فترة، عندما نراه مركونًا دون استخدام، يظهر السؤال: “لماذا اشتريته أصلًا؟”

أحيانًا لا يكون السبب أننا لا نعرف ما نحتاجه، بل أن مشاعرنا تدخلت في القرار دون أن نلاحظ. ولهذا فإن ضبط مشاعرك لا يتعلق فقط بالسيطرة على الغضب أو الحزن، بل أيضًا بالقدرة على ملاحظة تأثير مشاعرك في قراراتك اليومية، ومنها قرارات الشراء.

فكيف يمكن لشعور عابر بالملل أو التوتر أو الإعجاب أن ينتهي بمنتج جديد في خزانتك، وندم بعد الشراء؟

ما المشاعر التي قد تدفعك إلى شراء ما لا تحتاجينه؟

1-لا ترتبط قرارات الشراء المتأثرة بالمشاعر بالحزن أو التوتر فقط. فقد يدفعك الحزن إلى شراء شيء يمنحك راحة سريعة.

2- بينما قد يجعلك الفرح والحماس أكثر اندفاعًا نحو الاحتفال أو مكافأة نفسك.

3- وأحيانًا يكفي أن يعجبك شيء بشدة لتشعري برغبة قوية في امتلاكه، فتشترينه قبل أن تسألي نفسك إن كنتِ تحتاجينه فعلًا.

وعندما لا نستطيع ضبط هذه العواطف تدفعنا لأخذ قرارات شراء قد تكون خاطئة.

ما معنى تنظيم المشاعر؟

تخيلي أنكِ تلقيتِ خبرًا أزعجك، أو مررتِ بيوم مليء بالضغوط. في تلك اللحظة، لا يمكنكِ منع التوتر أو الحزن من الظهور، فالمشاعر ليست شيئًا نختاره. لكن ما يمكنكِ اختياره هو كيف ستتعاملين معها.

قد يقرر شخص أن يأخذ نفسًا عميقًا، أو يخرج للمشي، أو يتحدث مع صديق حتى يهدأ. بينما قد يلجأ شخص آخر إلى الشراء، أو تناول الطعام، أو تصفح الهاتف لساعات، فقط ليهرب من الشعور المزعج.

وهنا يأتي معنى تنظيم المشاعر. فهو لا يعني كبت مشاعرك أو تجاهلها أو التظاهر بأن كل شيء على ما يرام، بل يعني فهم ما تشعرين به، والتعامل معه بطريقة صحية، دون أن يدفعك إلى اتخاذ قرارات قد تندمين عليها لاحقًا.

لذلك، عندما نتحدث عن ضبط مشاعرك، فنحن لا نقصد أن تتوقفي عن الشعور بالحزن أو التوتر، بل أن تمنحي نفسك لحظة قبل التصرف، حتى لا تتحول المشاعر المؤقتة إلى قرارات دائمة، مثل الشراء العاطفي أو غيره من السلوكيات الاندفاعية.

يعرّف عالم النفس James J. Gross تنظيم المشاعر بأنه العمليات التي يستخدمها الإنسان للتأثير في المشاعر التي يشعر بها، ووقت حدوثها، وكيفية التعبير عنها. ويؤكد أن الهدف ليس التخلص من المشاعر، بل إدارتها بطريقة تساعد على اتخاذ قرارات أفضل.

1000219314

لماذا لا يتحمل بعض الأشخاص هذا الشعور؟

فبينما يستطيع بعض الأشخاص الجلوس مع شعور التوتر أو الحزن حتى يهدأ تدريجيًا، يشعر آخرون برغبة ملحة في التخلص منه فورًا، وكأنهم لا يستطيعون احتماله ولو لبضع دقائق.

لأننا لا نولد ونحن نعرف كيف نتعامل مع مشاعرنا؛ فبعض الأشخاص لم يتعلموا منذ الطفولة، وبطريقة صحيحة، التعبير عن المشاعر السلبية وفهمها والتعامل معها. لذلك قد يصبح التخلص من الشعور المزعج سريعًا هو الخيار الأسهل، حتى لو كان من خلال سلوك يمنح راحة مؤقتة مثل الشراء. وتشير أبحاث علم النفس إلى أن طريقة تعامل الأسرة مع مشاعر الطفل تؤثر في تطور قدرته على تنظيم مشاعره لاحقًا.

لهذا قد يبحثون عن أي وسيلة تمنحهم راحة سريعة، مثل الشراء، أو تناول الطعام، أو تصفح وسائل التواصل الاجتماعي، أو غيرها من السلوكيات التي تخفف الشعور مؤقتًا. المشكلة أن هذه الوسائل لا تعالج السبب الحقيقي، بل تؤجل مواجهته، فيعود الشعور مرة أخرى، ويعود معه السلوك نفسه.

أما الأشخاص الذين يستطيعون تهدئة مشاعرهم بطرق صحية، فيكون لديهم وقت أكبر للتفكير قبل اتخاذ القرار، لذلك تقل احتمالية اندفاعهم إلى الشراء دون حاجة حقيقية.

عندما تدفعك المشاعر إلى الشراء: المكافأة، الاحتفال، والإعجاب

ليس التوتر أو الحزن وحدهما ما قد يؤثران في قرارات الشراء. حتى المشاعر السعيدة والحماس قد تجعلنا أكثر اندفاعًا؛ فعندما نشعر بالفرح، قد نكون أكثر استعدادًا للاستمتاع باللحظة ومكافأة أنفسنا، فنقلل من التفكير في الحاجة الفعلية للشيء أو عواقب شرائه. وقد تقولين لنفسك: “أنا سعيدة اليوم، لماذا لا أشتريه؟” أو “لقد تعبت كثيرًا وأستحق أن أكافئ نفسي.”

أو عندما ترين شيئًا جميلًا يعجبك، وتشعرين برغبة قوية في امتلاكه، فتشترينه لمجرد أنه أعجبك، دون أن تتوقفي لتسألي نفسك: هل أحتاج إليه فعلًا؟ وهل سأستخدمه؟

وتدعم هذه الفكرة مراجعة تحليلية شاملة نُشرت في مجلة Journal of the Academy of Marketing Science، وجدت أن الحالات الشعورية – سواء كانت إيجابية أو سلبية – تؤثر في الشراء الاندفاعي، من خلال ضبط النفس والانفعال .

كما وجدت مراجعات أخرى أن المشاعر الإيجابية مثل الفرح والحماس يمكن أن يكون لها دور فى زيادة احتمالية الشراء غير المخطط له.

وهكذا، سواء كان الدافع هو الهروب من شعور مزعج أو إطالة شعور جميل ومكافأة الذات، يمكن للمشاعر أن تدفعنا إلى اتخاذ قرار أسرع وأقل تفكيرًا. المشكلة عندما يصبح الشعور نفسه هو الذي يحدد قرار الشراء بدلًا من حاجتك الحقيقية إلى المنتج.

المشاعر السلبية قد تدفعنا إلى الشراء للهروب من شعور مزعج، بينما قد تدفعنا المشاعر الإيجابية إلى الشراء لإطالة الشعور الجميل أو مكافأة أنفسنا.

ولا تأتي الرغبة في الشراء دائمًا من مشاعرنا وحدها؛ فقد تتأثر أيضًا بما نراه حولنا وما أصبح رائجًا. وعندما يجتمع الإعجاب بمنتج جديد مع الرغبة في مواكبة الموضة، قد يصبح اتخاذ قرار الشراء أسرع وأقل ارتباطًا بالحاجة الفعلية. ولهذا من المفيد أن نفهم أيضًا: لماذا نشعر بالحاجة إلى ملاحقة كل اتجاه جديد؟

اقرئي أيضًا: ملاحقة الموضة: لماذا نرغب دائمًا في امتلاك ما هو جديد؟

لماذا يصبح الشوبينج حلًا سريعًا؟

يبدو الشوبينج خيارًا مغريًا؛ فبمجرد تصفح المنتجات أو إضافة شيء إلى سلة المشتريات، يبدأ شعور مؤقت بالحماس والترقب، فينصرف انتباهك عن التوتر ولو لبضع دقائق.

ولهذا لا يكون الهدف الحقيقي هو المنتج نفسه، بل الإحساس الذي يرافق عملية الشراء. فالعقل يتعلم مع تكرار التجربة أن التسوق يمنحه راحة مؤقتة، فيبدأ باللجوء إليه كلما شعر بالضغط أو الملل أو الإحباط أو أراد الشعور بالسعادة، حتى لو لم تكن هناك حاجة حقيقية للشراء.

وتدعم الأبحاث هذه الفكرة؛ إذ تشير دراسات في علم نفس المستهلك إلى أن الشراء الاندفاعي يُستخدم أحيانًا كوسيلة لتنظيم المشاعر وتحسين الحالة المزاجية مؤقتًا، وليس فقط لتلبية الاحتياجات الفعلية. لكن لأن السبب الحقيقي للتوتر لا يختفي، فإن هذا الشعور بالراحة يتلاشى سريعًا، وقد يتحول إلى ندم بعد الشراء أو رغبة في تكرار السلوك مرة أخرى.

لماذا نشعر بالحماس أثناء الشراء؟

عندما تتوقعين مكافأة ممتعة، مثل شراء شيء أعجبك أو العثور على خصم، ينشط نظام المكافأة في الدماغ ويشارك الدوبامين في زيادة الرغبة والتحفيز نحو الحصول عليها. لذلك قد تشعرين بالحماس أثناء التصفح والشراء، لكن هذا الشعور لا يعالج سبب الحزن أو التوتر، وقد يتلاشى سريعًا. والدوبامين ليس «هرمون السعادة» كما يُشاع، بل ناقل عصبي يرتبط بالتحفيز وتوقع المكافأة والسعي إليها.

word image 2665 2

لماذا لا يحل الشراء العاطفي المشكلة؟

قد يمنحك الشراء شعورًا بالراحة أو الحماس لبضع دقائق أو ساعات، لكنه لا يغير السبب الذي دفعك إلى الشراء من الأساس. فإذا كان التوتر ناتجًا عن ضغوط العمل، أو كان الحزن بسبب خلاف مع شخص عزيز، أو كان الملل بسبب الفراغ، فإن شراء منتج جديد لن يحل أيًا من هذه المشكلات، بل سيؤجل مواجهتها فقط.

ومع تكرار هذا النمط، يتعلم الدماغ أن الشراء وسيلة سريعة للهروب من المشاعر المزعجة، فيلجأ إليه مرة بعد أخرى كلما عاد التوتر أو الحزن. وهكذا تتحول الراحة المؤقتة إلى حلقة متكررة: مشاعر سلبية، ثم شراء، ثم راحة قصيرة، ثم ندم، ثم عودة للمشاعر نفسها.

وتؤكد الأبحاث هذا النمط؛ إذ تشير مراجعة تحليلية جمعت نتائج 100 دراسة حول الشراء الاندفاعي إلى أن من أبرز عواقبه زيادة الندم بعد الشراء، وانخفاض الرضا عن القرارات المالية، وارتفاع احتمالية المشكلات المالية مع تكرار السلوك. وهذا يوضح أن الشراء العاطفي قد يخفف المشاعر للحظات، لكنه لا يعالج سببها الحقيقي ولا يمنع عودتها.

لذلك، فإن ضبط مشاعرك لا يعني منع نفسك من التسوق، بل يعني تعلم التعامل مع التوتر أو الحزن بطرق تعالج المشكلة من جذورها، بدلًا من البحث عن راحة مؤقتة سرعان ما تزول.

فى النهاية

ربما لن تتوقفي عن الشعور بالحزن، أو التوتر، أو حتى الحماس الزائد — فهذه المشاعر جزء طبيعي من كونك إنسانة. لكن ما تغيّر الآن هو أنك تعرفين السؤال الذي يستحق أن تطرحيه على نفسك في اللحظة الفاصلة بين الشعور والشراء: “هل أنا أشتري هذا لأنني أحتاجه، أم لأنني أحاول أن أشعر بشيء مختلف؟”

هذا السؤال وحده لن يمنعك من الشراء العاطفي تمامًا، ولا يجب أن يكون هذا هدفك. لكنه سيمنحك ثانية إضافية من الوعي، وهذه الثانية غالبًا ما تكون كافية لتحويل قرار اندفاعي إلى قرار واعٍ.

في المقال القادم، سننتقل من فهم “لماذا” إلى “كيف”: خطوات عملية بسيطة يمكنك تجربتها في المرة القادمة التي تجدين فيها إصبعك يتجه نحو زر “أضف إلى السلة”.

No comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *