لماذا تشعرين دائمًا أن أداءكِ في العمل أقل من المطلوب؟

33
Pexels cottonbro 6535734 scaled

مشاركة المقالة

هل سبق أن أنهيتِ مهمة في العمل، ثم شعرتِ أنها لم تكن جيدة بما يكفي، رغم أنكِ بذلتِ فيها كل ما تستطيعين؟

تجلسين أمام التقرير وهو جاهز منذ ساعة، لكنكِ لا ترسلينه. تراجعينه مرة بعد أخرى، ليس لأن فيه خطأ واضحًا، بل لأن صوتًا داخليًا يقول:  “ما زال هناك شيء ناقص.”

قد تظنين أن هذا مجرد حرص على الإتقان، لكن عندما تشعرين باستمرار أن أداءكِ في العمل أقل من المطلوب، فقد يتحول الاجتهاد إلى نقد دائم للنفس، ويصبح أي خطأ صغير دليلًا في نظركِ على أنكِ لم تنجحي كما ينبغي.

الحقيقة أن أداءكِ في العمل قد لا يكون المشكلة. ففي كثير من الأحيان، تكون المشكلة في المعايير القاسية التي تحكمين بها على نفسك، أو في صورة النجاح التي كوّنتها التربية والمجتمع وتجارب الحياة، حتى أصبح الوصول إليها يبدو مستحيلًا.

في هذا المقال، سنتعرف على الأسباب التي تجعلكِ تشعرين دائمًا أن أداءكِ في العمل أقل من المطلوب، وكيف يمكنكِ تقييم نفسكِ بقدر أكبر من الواقعية والإنصاف.

 

“لماذا تشعرين دائماً أن ادائك فى العمل به شىء ناقصا 

 

حين يصبح الخوف من الخطأ أكبر من الخطأ نفسه

كثيرات منا نشأن في بيئة تكافئ على الكمال أكثر من المحاولة. كانت الدرجة الكاملة دليلًا على النجاح، بينما كان الخطأ أو النقص يُنظر إليه أحيانًا كعلامة على التقصير. ومع مرور الوقت، قد يتحول هذا الأسلوب إلى صوت داخلي يراقب كل خطوة ويجعل المرأة تشك في أدائها في العمل حتى عندما تقوم بمهامها بشكل جيد.

في بيئة العمل، يظهر هذا القلق في مواقف يومية بسيطة: تؤجلين إرسال التقرير ليس لأنه ناقص فعلًا، بل لأنك تخافين من ملاحظة قد تكشف خطأ لم تنتبهي إليه. تضعين المؤشر فوق زر “إرسال”، ثم تعودين لمراجعة الجملة الأخيرة مرة أخرى.

تقرئين الرسالة مرة إضافية، تعدلين كلمة، تغيرين ترتيب جملة، أو تبحثين عن طريقة تجعلها أكثر مثالية.

تمر خمس دقائق، ثم عشر.

وفي النهاية قد تؤجلين الإرسال، ليس لأن العمل سيئ، بل لأنك تحاولين الوصول إلى نسخة لا يستطيع أحد انتقادها.

وقد يظهر الأمر أيضًا قبل الاجتماعات؛ فتحضرين أكثر مما يلزم، ثم بعد انتهاء الاجتماع تعيدين التفكير في إجاباتك وتتساءلين عما كان يجب أن تقوليه بشكل أفضل.

المشكلة هنا ليست في الرغبة في تقديم عمل جيد. فالسعي إلى التطور أمر صحي. لكن عندما تتحول الكمالية إلى خوف دائم من الخطأ، يصبح تقييمكِ لنفسكِ أقسى من تقييم الآخرين لكِ، وقد يؤثر ذلك على ثقتكِ في أدائك في العمل وراحتك النفسية.

حين تقولين “نعم” وأنتِ تريدين أن تقولي “لا”

هناك موقف تعرفه كثيرات: يطلب منكِ مديركِ مهمة إضافية فوق طاقتكِ، وأنتِ تدركين أن الوقت والجهد لا يسمحان بها، لكنكِ تجيبين بسرعة: “بالطبع”.

ليس لأنكِ ترغبين في زيادة الضغط على نفسك، بل لأن الرفض قد يجعلكِ تشعرين بأنكِ قد تبدين أقل التزامًا أو أقل قدرة على تحمل المسؤولية. وكأن قولكِ: “لا أستطيع القيام بها الآن” قد يُفهم على أنه دليل على ضعف أدائكِ في العمل.

مع الوقت، قد تتحول هذه الفكرة إلى ضغط داخلي يجعلكِ تقبلين مهامًا أكثر من قدرتك، ليس بهدف التطور فقط، بل لإثبات أنكِ جديرة بمكانك.

وتشير بعض الدراسات في علم النفس الاجتماعي إلى أن النساء قد يواجهن أحيانًا توقعات مختلفة في بعض بيئات العمل، مثل ضرورة الظهور بمظهر المتعاونة دائمًا. وعندما تلتقي هذه التوقعات مع الكمالية والخوف من النقد، قد تصبح المرأة أكثر قسوة في تقييم نفسها، حتى عندما لا توجد مشكلة حقيقية في أدائها في العمل.

اقرئى أيضاً:

كم يكلّفكِ الراتب من صحتكِ ووقتكِ وحياتكِ؟

الأسباب الاجتماعية: حين تصبح المقارنة مرآة يومية

السوشيال ميديا وصورة “المرأة التي تتقن كل شيء”

 

تفتحين هاتفكِ فترين زميلة تشارك إنجازًا جديدًا في العمل، وأخرى تعرض منزلها المرتب وحياتها التي تبدو منظمة. في اللحظة نفسها، تكونين أنتِ تحاولين إنهاء تقرير متأخر أو التوفيق بين مسؤوليات متعددة، فتبدئين في مقارنة واقعكِ الكامل بأفضل اللحظات التي يختار الآخرون عرضها.

ومع تكرار هذه المقارنات، قد يبدأ شعور داخلي بالظهور: “الجميع ينجحون إلا أنا”، أو “ربما لا أقدم ما يكفي”. وهذا قد يؤثر على الطريقة التي تنظرين بها إلى أدائكِ في العمل، حتى لو كانت نتائجكِ جيدة بالفعل.

تشير بعض الدراسات إلى وجود ارتباط بين بعض أنماط استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وزيادة مشاعر عدم الكفاءة أو المقارنة السلبية، خاصة عندما يتعرض الشخص باستمرار لمحتوى يركز على النجاح والإنجاز. ومع ذلك، يختلف هذا التأثير من شخص لآخر حسب طريقة الاستخدام والظروف النفسية والاجتماعية.

المشكلة أن المقارنة غالبًا لا تكون عادلة؛ فأنتِ تقارنين ضغوطكِ اليومية بكل ما يختار الآخرون إظهاره. ترين النتيجة النهائية لديهم، بينما تعيشين تفاصيل رحلتكِ بكل صعوباتها. ومع الوقت، قد تصبح هذه المقارنة سببًا يجعلكِ تقللين من قيمة جهودكِ وتشعرين أن أداءكِ في العمل أقل مما هو عليه في الحقيقة.

 

word image 2033 1

توقعات المجتمع: حين يصبح الكمال معياراً للنجاح

في بعض البيئات الاجتماعية، قد تتعلم الفتاة منذ الصغر أن النجاح يعني أن تكون ممتازة في كل شيء: متفوقة في الدراسة، مسؤولة في المنزل، متعاونة مع الآخرين، وقادرة على تحمل المسؤولية دون شكوى.

وعندما تدخل سوق العمل، قد تحمل معها هذه المعايير نفسها. فلا يكفي أن تنجز مهامها، بل تشعر أحيانًا أنها يجب أن تكون الموظفة المثالية، والإنسانة التي لا تخطئ، والشخص الذي لا يحتاج إلى مساعدة.

تعود من يوم عمل طويل لتبدأ مسؤوليات أخرى في المنزل، وقد تشعر بالذنب إذا أخذت وقتًا للراحة أو لم تنجز كل ما خططت له. ومع الوقت، قد يصبح التعب أو طلب الدعم في نظرها علامة على التقصير بدلًا من كونه احتياجًا طبيعيًا.

عندها لا تكون المشكلة دائمًا في أدائكِ في العمل، بل في المعايير القاسية التي تستخدمينها للحكم على نفسك. فقد تصبحين أنتِ أول من ينتقدكِ، لأنكِ تحاولين الوصول إلى صورة مثالية للنجاح يصعب تحقيقها.

 الفكرة الأعمق: ليست المشكلة في النقد فقط، بل في المعنى الذي نعطيه له

 

ربما لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا أخاف من النقد؟

بل: لماذا تتحول ملاحظة بسيطة عن عملي إلى دليل في نظري على أنني غير كفؤة؟

عندما يصبح الخطأ في العمل مرتبطًا مباشرة بتقييمكِ لنفسكِ، فإن السعي إلى الإتقان قد يتحول من رغبة صحية في التطور إلى محاولة مستمرة لتجنب شعور مزعج: “ربما لم أكن جيدة بما يكفي”.

عندها لا يكون هدفكِ فقط تقديم أفضل أداء في العمل، بل محاولة الحصول على شعور بالأمان والاطمئنان بأنكِ ما زلتِ جديرة بمكانك.

لذلك قد يكون ما تحاولين حمايته عندما تنتقدين نفسك قبل أن يفعل الآخرون ليس جودة العمل فقط، بل صورتكِ عن نفسك. يصبح الخطأ المهني أكثر من مجرد خطأ يمكن إصلاحه؛ يصبح وكأنه دليل على فشلك، رغم أنه في الحقيقة جزء طبيعي من التعلم والتطور.

وهنا تصبح حساسية النقد مؤلمة؛ لأنها لا تجعل الملاحظة تتعلق بالمهمة فقط، بل تجعلها تبدو وكأنها حكم على الشخص كله. ولهذا قد لا يكفي النجاح أو الإنجاز دائمًا لإسكات هذا الصوت الداخلي.

خطوات عملية: كيف تنظرين إلى أدائكِ في العمل بإنصاف؟

 

أولًا: فرّقي بين العمل الجيد والكمال المستحيل

قبل أن تراجعي تقريرًا أو رسالة للمرة الثالثة، اسألي نفسكِ:

هل يوجد خطأ حقيقي يحتاج إلى تعديل؟ أم أنني أحاول فقط الوصول إلى نسخة لا يمكن أن يلاحظ عليها أحد؟

اسألي نفسكِ أيضًا:

“لو أرسلت هذا العمل الآن، ما أسوأ احتمال يمكن أن يحدث؟ وهل حدث ذلك فعلًا من قبل؟”

في كثير من الأحيان، ستكتشفين أن القلق من الخطأ أكبر بكثير من الخطأ نفسه.

ثانيًا: انتبهي عندما توافقين خوفًا من التقييم

أحيانًا لا نقبل مهمة إضافية لأننا نملك الوقت والطاقة، بل لأننا نخشى أن يُفهم الرفض على أنه ضعف في الالتزام أو انخفاض في أدائكِ في العمل.

تعلم وضع حدود واضحة لا يعني أنكِ أقل كفاءة، بل قد يكون علامة على معرفة قدراتك وإدارة مسؤولياتك بشكل أفضل.

ثالثًا: افصلي بين تقييم العمل وتقييم نفسك

عندما تحصلين على ملاحظة من مديرك أو زميلك، لا تحوليها مباشرة إلى حكم على شخصك.

اسألي نفسكِ:

  • هل هذه الملاحظة تتعلق بجزء محدد من العمل؟
  • هل يمكنني الاستفادة منها لتحسين النتيجة؟
  • هل أنا أرفضها لأنها غير صحيحة، أم لأنها جعلتني أشعر بأنني غير كافية؟

النقد يمكن أن يكون معلومة تساعدك على التطور، وليس دليلًا على فشلك.

رابعًا: تحدثي مع نفسكِ كما تتحدثين مع زميلة

لو ارتكبت زميلتك خطأ في العمل، هل ستقولين لها: “أنتِ غير كفؤة”؟

غالبًا لا. ستخبرينها أن الخطأ يمكن إصلاحه وأنها تستطيع التعلم منه.

حاولي أن تمنحي نفسكِ نفس القدر من الهدوء والإنصاف.

 

قد تعرفين امرأة تبدو واثقة في الاجتماعات، سريعة في اتخاذ القرارات، ولا تتردد في عرض أفكارها.

لكن ما لا ترينه هو الرسائل التي أعادت كتابتها، واللحظات التي شكّت فيها بنفسها، والجهد الذي بذلته لتتعلم الثقة.

كثير من النساء لا يعانين من نقص في الكفاءة، بل من طريقة قاسية في تقييم أنفسهن. وعندما يصبح صوت النقد الداخلي أعلى من الواقع، يصبح العمل أكثر إرهاقًا مما ينبغي.

word image 2033 2

الخطأ ليس دليلًا على ضعفكِ

قد تشعرين أحيانًا أن أداءكِ في العمل ليس بالمستوى المطلوب، رغم أنكِ تبذلين جهدًا حقيقيًا وتحرصين على تقديم أفضل ما لديكِ. لكن المشكلة لا تكون دائمًا في قدرتك أو في جودة عملك، بل أحيانًا في الطريقة القاسية التي تنظرين بها إلى نفسك.

المعايير العالية قد تدفعكِ إلى التطور، لكنها عندما تتحول إلى خوف دائم من الخطأ أو إلى حاجة مستمرة لإثبات أنكِ جديرة، تصبح عبئًا يستنزف طاقتك بدل أن يساعدك على النجاح.

تذكري أن هناك فرقًا بين أن تراجعي عملك لتحسنيه، وبين أن تجعلي كل ملاحظة دليلًا على أنكِ غير كافية. الخطأ في تقرير أو ملاحظة من مديرك لا يختصران قيمتك، بل هما جزء طبيعي من التعلم والتطور في أي مسار مهني.

أنتِ لا تحتاجين إلى أن تكوني مثالية حتى تستحقي مكانك. تحتاجين فقط إلى أن تنظري إلى أدائكِ في العمل بالإنصاف نفسه الذي تمنحينه للآخرين.

 

No comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *